السبت, 14 تشرين1/أكتوير 2017 13:19

كمال اللبواني وداعاً للشرق الأوسط Featured

قيم هذا المقال
(0 تصويتات)

اللبواني, وداعاً للشرق الأوسط

تقوم الدول عادة بتأثير عاملين هما : إرداة الشعوب للعيش المشترك في دولة ، ونتائج الحروب العسكرية بين الجيوش المتصارعة . أما خريطة الشرق الأوسط الحالية التي فرضتها اتفاقية بين الدول الاستعمارية التي انتصرت في الحرب العالمية الأولى ( سايكس بيكو ) فتبدو أنها قد شاخت كثيرا واقتربت من نهايتها بعد تحول الكثير من دولها للفشل ، وبسبب اندلاع حروب وثورات وصراعات عرقية ودينية واجتماعية عاصفة فيها

  لم تكن هناك نية معلنة لتغيير خريطة سايكس بيكو قبل عام 2020 على الأقل ، رغم أن التحضير لها بدأ باحتلال التحالف الغربي للعراق عام 2003 ، ثم استتبعها  بسياسة استنزاف الأعداء في سوريا التي كان من المقرر لها أن تستمر عشر سنوات ، حيث مُنعت الثورة السورية التي بدأت باتخاذ طابع اسلامي من الانتصار في عامها الثاني بمزيج من التضييق والتشتيت ومنع قيام قيادة فاعلة ، وتمت التغطية على هذه السياسة بواسطة مسارات التفاوض العقيم في جنيف، بقيادة مهندس تضييع الوقت دي مستورا ، وجرى تشجيع حزب الله وإيران على دخول سوريا ، بالتزامن مع تشجيع المنظمات الجهادية على ابتلاع الثورة لرفع سوية العنف الطائفي و التدمير الشامل ، وسُمح باستخدام كل صنوف الأسلحة لتدمير المدن واحداث انزياحات سكانية كبرى ما عدا استخدام أسلحة التدمير الشامل التي تكسر التوازن ، حتى أصبحت الساحة في المنطقة كما وصفها السفير فورد أمام الكونغرس ( القاعدة تحارب القاعدة) المتعصبين الشعية ضد المتعصبين السنة ، وفرضت حالة من التوازن العسكري طيلة سنوات الثورة الأربعة الأولى ، لكن الروس بتدخلهم المباشر عام 2015 كسروا سياسة الاستنزاف المزدوج هذه ، وفرضوا هيمنتهم في المنطقة بنصر طرف على طرف ، كما ساهم التحول التركي باتجاه التحالف مع إيران وروسيا في تسريع اعلان فشل سياسة الاستزاف هذه ، وتسريع تطبيق خطط تغيير خريطة الشرق الأوسط  حيث تم تحريك الورقة الكردية بشكل فاعل ومستعجل لكونها العامل الأهم في تغيير هذه الخريطة

في هذه المرحلة تبدو المنطقة تحت النفوذ الروسي ومن خلفه الصيني ، الذي يغطي التمدد الإيراني ويسمح بتحولها لدولة عظمى في المنطقة معادية للنفوذ الغربي ، إيران التي حققت خطوات واسعة في طريق ترسيخ أقدامها ، مستغلة زعزعة استقرار الدول و التغيير الديموغرافي واقامة التحالفات مع أطراف سنية انتهازية في المنطقة، وبناء منظومة تسلح استراتيجي كان يفترض بالاتفاق النووي أن يكبحه طيلة فترة الاستنزاف الطويل المفترض

شكل هذا الوضع الجديد خسارة استراتيجية كبرى للغرب ، تستوجب رد فعل سريع ، وإعادة خلط الأوراق تمهيدا لإعادة انتاج نظام اقليمي جديد يعتمد خريطة سياسية جديدة مناسبة للقوى الغربية الكبرى التي تهيمن تاريخيا على المنطقة وثرواتها ، مما يفتح الباب أمام اشعال صراع اقليمي واسع يترجم التصادم غير المباشر بين محوري الشرق والغرب،  ويعتمد وكلاء محليين يدخلون في الصراعات الأهلية والعرقية والطائفية للمكونات المتعددة التي نشبت بعد عجز النظم الحاكمة عن تحقيق طموحات هذه الشعوب

حاول الغرب تجنبا للتصادم التوافق مع الروس على تقليص نفوذ إيران . لكن الروسي لم يكن بوارد تسليم حليفه قبل الحصول على ثمن كبير في الشرق الأوسط وغيره ، واستمر بسياسة القضم التي تدفع الغرب للقبول بالانسحاب أو دخول الصراع ، بينما يحاول الغرب أن يستخدم أدوات محلية لكسب الحرب بأقل قدر من التدخل المباشر … وبالاعتماد على تباين وتناقض المكونات ما قبل القومية التي بدأت بالانتعاش بسبب الفوضى وفشل النظم القومانية العنصرية الاستبدادية

أصبحت عملية تقليص نفوذ ايران ذات المشروع الصفوي الفارسي بشكل متزايد ضرورة  للاستراتيجية الغربية التي تعمل على بناء تحالفات اقليمية وعربية ، لتوحيد الجهود الضاغطة على ايران مستفيدة من تناقضات تكوين الشعوب في دولة إيران خاصة العرب والكرد والبلوش وغيرهم مع الفرس  ، بهدف نقل المعركة لداخلها بالتزامن مع الصراع مع أذنابها اللبنانيين والعراقيين واليمنيين وغيرهم هنا وهناك ، مما سيضع ايران بين فكي كماشة من الخارج والداخل ومن الشمال والجنوب … لأن عملية قلب النظام في ايران غير ممكنة من دون انفراط عقد الدولة وتفكيكها نظرا لطبيعة النظام الشمولية الفاشية

ايران من طرفها تحاول وضع تركيا في مقدمة التصدي للمشروع الكردي، وتوريطها في صراع مع الغرب ، مستفيدة من شعور تركيا بالتهديد ، ومن عدائية الغرب الذي يحاول تقليص نفوذها خاصة بعد تحولها للحلف الروسي وتخليها عن الناتو عمليا . بينما تدخل روسيا المنطقة للحفاظ على الخريطة القديمة و عرقلة حركة التغيير فيها ، وتحاول عرقلة حركة التاريخ وإرادة المجتمعات   وتدخل في حرب قهر وابادة ضدهم في كثير من الأحيان لإعادتهم للسجون التي أرادوا الخروج منها ، بينما يسعى الغرب للتماشي مع حركة التاريخ وتأمين ملاذات سياسية جديدة تخدم مصالحه ضمن خريطة سياسية جديدة

أما اللاعب الأقدر في المنطقة أي اسرائيل فهي أيضا تدرك أن قيام دولة كبيرة عربية أو ايرانية أو عثمانية سيكون خطر وجودي عليها ، وأن الصيغ الفيدرالية والديمقراطية هي الأنسب لتحقيق السلام والاستقرار ، كما تحاول بسبب صغر حجمها أن تتجنب حل الدولتين والابقاء على مجرد حكم ذاتي في الضفة والقطاع ، وكذلك تخطط لرسم حدود رمادية بواسطة مناطق مشتركة السيادة مع جيرانها العرب ، فعلمية خلط الأوراق والتغيير السياسي للشرق الأوسط تخدم أيضا مصالح هذه الدولة بالبقاء والأمن … لذلك تبدو أنها مستعدة لخوض غمار الحرب للمساهمة في اعادة رسم خريطة المنطقة التي يرتبط أمنها الوجودي بها

في النتيجة سيكون من الصعب لدرجة الاستحالة الإبقاء على وحدة العراق والأرجح قيام دولتين دولة كردية ودولة شيعية عربية ، بينما ما تبقى من السنة سيكونوا جزءا من الدولة العربية الصحراوية التي ستتشكل في سورية، و لن تسلم لبنان من امتداد الصراع لداخلها مما سيدفع لتقسم لبنان وانضمام  طرابلس كمنفذ على البحر للدولة السنية الصحراوية … بعد سلخ الساحل السوري  كمنطقة احتلال روسي أو كجائزة ترضية مؤقتة ، وسلخ حلب وادلب كترضية لتركيا مرحليا  بانتظار تفكيك ايران و المشروع التركماني العثماني و اعادة رسم خريطة دول الخليج العربي أيضا  في مرحلة لاحقة

هذه الحرب العالمية المصغرة في الشرق الاوسط  يصعب التهرب منها ، وتمتد على مساحة ثلاث دول على الأقل هي لبنان وسوريا والعراق. وما يحدث فيها يشكل نموذجاً للعالم  الذي يدخل مرحلة تفكيك تسبق مرحلة اعادة تشكيل ، بما يتناسب مع شروط العولمة الجديدة المختلفة كليا . لكن ما يجعل المنطقة مختلفة عن غيرها أن التغييرات فيها تعتمد أساسا على الحروب وليس ارادة الشعوب . التي ربما لو سنحت لها الفرصة لأعادت بناء صيغ الوحدة والاستقرار بطريقة أخرى

مشاهد 1048 مرة

أضف تعليق لهذا المقال

تأكد من تعبئة الحقول الموسومة بـ (*) الأكواد البرمجية غير متاحة.