الإثنين, 15 شباط/فبراير 2016 09:26

يوم أطعمنا رئيس الوزراء لحم الحمير .. !! Featured

قيم هذا المقال
(11 تصويتات)

عمار مصارع

 

   أوائل ثمانينات القرن الماضي، وفي أوج حكم حافظ الأسد، نشطت عمليات تهريب أغنام "العواس"إلى دول الجوار، وصارت محافظة الرقة السورية قبلة لتجار ومصدّري الأغنام إلى الخارج، لاشتهارها بتربية هذا النوع المرغوب المتميز ببياض لونه ودهنية ذيله وتكيّفه البيئي، ناهيك عن تحمّله الحرارة الشديدة والمواسم القاحلة، وقدرته على التكاثر في أصعب الظروف.

   هذا الاقبال الكبير على " العواس" أثر على سعره، وأجبر الرّقّي الذي كان يكرم ضيفه بعزيمة يذبح فيها خمسة من "العواس" بالحدّ الأدنى، يكتفي بذبح واحدة محتاراً على أي "المناسف" يضع رأسها، ما دفع بالناس إلى ابتكار طرق جديدة في تقديم الطعام، تغطّي على قلّته.

   في تلك الفترة، التي امتدّت عقوداً من الزمن، قرّر رئيس الوزراء ( عبد الرؤوف الكسم ) زيارة الرقة مع مجموعة من الوزراء، للتعرّف على حاجات المحافظة، ووضع الخطط لحلّ مشاكلها، ومراقبة مدى الالتزام بتطبيق النهج الاشتراكي للدولة، والتعرف على أحوال المخبرين واحتياجاتهم .

  هنا بدأت الحكاية ..

كان السؤال الذي عمل المحافظ "محمد سلمان"، ورؤساء الدوائر والبلديات، وعمال النظافة وأعضاء قيادة فرع حزب البعث، وقادة أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية على الاجابة عنه هو :

 كيف نقيم مأدبة غداء أضخم من مثيلاتها التي أقيمت في المحافظات التي زارها رئيس مجلس الوزراء من قبل .. ؟؟!! ..مأدبة تجعله يوقّع على أضابير المشاريع التي سيقدّمونها دون تردد أو تدقيق أو نقاش قد يقلّص ميزانيات تنفيذها، التي تركوا فيها- كعادة مخططي ذاك الزمان -  هامشاً "مرحرحاً" يرضي جيوب من اقترحها ومن سيشرف على تنفيذها..؟؟!!

   وبالفعل..وبعد اجتماعات كثيرة، وصلوا فيها الليل بالنهار، قرروا إقامة المأدبة في مقصف "الرشيد"، الذي تتعامل معه كلّ دوائر المحافظة تنفيذاً لتوجيهات المحافظ، واحتراماً لقدرة صاحبه على تقديم فواتيرقانونية صلبة "لايخرّ منها الماء" تراعي إرضاء جيوب المحاسبين, ومتضمّنة كلفة سهراتهم " المطنطنة" في الفترة الواقعة بين مأدبتين رسميتين .

   استلم صاحب المقصف الأمر القاضي بإقامة مأدبة " تاريخية حضارية " تليق بمقام الزائر الكبير، لا تكون فولكلورية يتصدّرها المنسف التقليدي وما شابه.. مأدبة يكون " الكباب" طبقها الرئيس.. وفوراً أمر الرجل ببدء التنفيذ مستنفراً العاملين لديه، كما دعمهم بآخرين يساعدونهم، وطلب من مورّد اللّحم الذي يتعامل معه أن يحجز كل ما عنده من لحم لهذه المأدبة التاريخية.. والشهادة لله والتاريخ .. تمكّن الرجل من إقامة مائدة تحدثت عنها الركبان سنينا، خاصة وأنها مقامة لعلية المسؤولين في ذلك الزمان، فقد حضرها إضافة لرئيس الوزراء والوزراء المرافقين له ومرافقيهم وسائقيهم، محافظو حلب ودير الزور والرّقة المضيفة وكل المدراء العامين في تلك المحافظات ومعاونيهم ومرافقيهم وسائقيهم، وكل مدراء دوائر الرقة ومعاونيهم وسائقيهم ومرافقيهم، ورؤساء الاجهزة الأمنية ومعاونيهم وأبرز مخبريهم من حثالة السكان، وكلّ رؤساء فروع حزب البعث العربي الاشتراكي وأعضاء الفروع، ورؤساء أحزاب الجبهة الوطنية الديمقراطية ورؤساء المنظمات الشعبية، وممثلو الطبقات الكادحة من عمال وفلاحين في المحافظات الأربع .. الرقة وحلب ودير الزور والحسكة..كلّهم حضروا وأكلوا حتى التخمة، يضاف إليهم عائلات الذين تفرغوا لمتابعة أمور إعداد تلك المائدة التاريخية، وبعض جيرانهم الذين حملت لهم أطباق "السفري" الكرتونية المطلية بورق السلوفان اللماع، ولا مشكلة في الفاتورة مهما بلغت، لأن الأوامر العليا السائدة في ذلك الزمان الأسدي البعثي، كانت تقضي بأن لا تدقّق فواتير إطعام المسؤولين الضيوف، إذ كيف يمكن للمسؤول خدمة قضايا وطنه المصيرية في الوحدة والحرية والاشتراكية، وتحرير الجولان ولواء إسكندرون وفلسطين والمسجد الأقصى وعربستان، ودعم قضايا الشعوب في التحرّر من نير الاستعمار والامبريالية، ودعم الشعب السوفييتي الصديق، ومحو الأمية ومحاربة الاقطاع والرجعية، ونشر فكر القائد الخالد بمعدة صغيرة خاوية ..؟؟ !!

   وعلى ذمّة بعض الرواة، الذين حضروا وكانت كراسيهم قريبة من مكان جلوس رئيس الوزراء في صدر المكان، فإنهم أكّدوا أن البسمة لم تفارق ثغره الفتان، وحلفوا بأغلظ الأيمان، أن تورّد خدوده قد بان رغم سماره الشديد، وأن انتفاخ شدقيه لم " يفش" للحظة ، بل وزادوا أن معاليه اعترف بعالي الصوت أنه لم يأكل في حياته بمثل هذا النهم، وأنه أشاد بكرم المسؤولين وطيب حفاوتهم، وأكّد " بعظمة لسانه " على طيب " الكباب الرّقّي " واللحم الرّقّي الذي يشبه المستكة، ووعد بزيارة أخرى في وقت قريب، وبعدها وقّع - دون تردد أو تدقيق - موافقاً على أضابير المشاريع الوطنية، التي حملها مدراء الدوائر الذين وقفوا في صف طويل أمامه، ينتظر كل منهم دوره.

   في اليوم التالي وبعد أن خلت الشوارع من زحمة سيارات "المرسيدس" التي غصّت بها ساعة المأدبة، وبعد أن ذهبت السّكرة وجاءت الفكرة، لاحظ أهل الرقة أن الحمير في المدينة ماعاد لها ذكر، وهي التي لاتغيب عادة عن ساحة احتفالات حزبية او شارع فيه مقر حزبي.. بحثوا .. بحثوا طويلاً، وبعد يومين من سفر رئيس الوزراء اكتشفوا أن متعهّد تقديم اللحم للمقصف أبوعبدو اللحام ( الاسم وهمي ) ومع قلة غنم "العواس" المعروضة ، قام باستنفار أصدقائه من لحامي المدينة، خاصة الذين تربّوا على يديه، وقاموا في ليل الرقة وهوائه العليل بتجميع الحمير الدّاشرة في المدينة والقرى القريبة،وسوقها الى بستان قريب ونحرها، وسلخها ، و"تشفية" لحمها وفرمه كبابا، ومن ثم ارساله الى المقصف الذي صار معلماً تاريخيا ًمن معالم المدينة...!!

   من يومها والحسرة في قلب المحافظ - صار بعدها وزيرا للإعلام، واليوم قائدا لفصيل معارض "هرتك" مصنوع في أحد الفروع الأمنية !! - لأنه لم يستطع، رغم نفوذه القوي، ويده المخابراتية التي تطال القاصي والداني،ايجاد طريقة لمعاقبة "أبو عبدو اللحام" الذي اعتقل وقدّم للمحاكمة وخرج بعد يومين، لأن كتب القانون لا تحوي مادة تعاقب من يقوم ببيع لحم الحمير، ولأن الجهات العليا في العاصمة قد أوعزت للأجهزة الامنية بلفلفة الحكاية ومنع تداولها..!!

   ومن يومها - أيضاً - لاحظ أهل المدينة أن كل الوزراء والمسؤولين الذين زاروا الرقة بعد تلك "المأدبة التاريخية" يتمنعون عن أكل اللحم الأحمر الذي استبدلوه بالفروج المشوي والسمك النهري، وأغلبهم كان يكتفي بالسلطات والحمص والمتبل والعيران متذرّعاً بالريجيم القاسي الذي يتبعه حسب نصيحة طبيبه ..

   أما "أبو عبدو اللحام"، فقد ترك المهنة متنقلاً من مقهى إلى مقهى، ومن مضافة إلى مضافة، راوياً ما حدث معه فيالليلة، التي سبقت تلك "المأدبة التاريخية "، ومفصّلاً في الحديث عن الطرق التي ابتكرها في جمع الحمير، وذبحها، وسلخها، وفرم  لحمها بفترة قياسية، ومقسماً بأغلظ الأيمان، أنه من يومها لم تمر عليه ليلة، دون أن يرى في منامه "حميراً تأكل حميراً " ..!!

مشاهد 54047 مرة

أضف تعليق لهذا المقال

تأكد من تعبئة الحقول الموسومة بـ (*) الأكواد البرمجية غير متاحة.