الأحد, 17 كانون2/يناير 2016 09:10

كنت يوماً ما..أماً Featured

قيم هذا المقال
(0 تصويتات)

بسام الرحال

نظرت إلى جدران المنزل وراحت تنتقل بنظراتها من زاوية إلى أخرى، حبست دموعها داخل مقلتها والعبرة تخنق أنفاسها، ابتدأت كلامها بلحظة خشوع ودمعة صامتة سقطت من عينها.

قالت: أصبحت أيامي تمرّ كلمح البصر في سرعة يعجز عقلي عن استيعابها، ولكنني اليوم مع مصابي العظيم وبليتي الجسيمة في فقدي لفلذات كبدي الثلاثة، الذين كانوا قرة عيني وريحانة فؤادي، أصبحت أيامي عصيبة، ثقيلة، الثواني فيها ألم، والدقائق حزن، وساعاتها مرارة وحسرة.

مازالت لحظاتهم الأخيرة تمرّأمام عيني كشريط سينمائي ينتهي ليبدأ من جديد، فيلم حقيقي لقصة واقعية عشت تفاصيلها لحظة بلحظة وبكل ذرة في كياني، فيلم وضع السيناريو والحوار له القدر، وكانت مشاهده الرئيسية في هذه البلاد حيث الحزن والقهر والأسى، هذه البلاد التي أصبحت للظلم عنواناً، أما موسيقاه التصويرية فكانت تلك النغمة الصاخبة لصوت قذيفة صادرةٍ عن دبابات النظام.

حدث ذلك في صباح مكفهروممطر، فبدلاً من نور أشعة الشمس الدافئة، كان البرق والرعد والمطر؛الرعد يزمجر بصوت يقبض القلوب، ونور البرق يشق السماء، والمطر ينهمر بشكل مخيف مرعب...

دخل بيتي زائر بدون موعد، له صوت غريب وقوي، دخل إلى بيتي وهو يصرخ موتوا جميعاً.

 مع اللحظات الأولى لم أستوعب ماذا حدث، لكن عندما استعدت وعيي وإدراكي تبين لي أنها قذيفة دبابة صادرة عن حاجز لقوات النظام يقبع في مكان مرتفع غربي المدينة، اكتشفت انه قد نفث سمه ودخلت أنيابه بيتي، ليسري السم في أجسادأولادي الثلاثة، ارتموا أمامي ولم أعلم لماذا.. فجأة أصبحت وجوههم وثيابهم حمراء اللون، بدأت اشتم رائحة الدماء، ورحت أفكر ماذا سأفعلوأينسأذهب، الى أن صرخ أحد الجيران قائلاً :"هيا يا قوم.. لقد استشهدوا!"

بهذه الجملة ابتدأت مأساتي، لأسمع بعدها تمتمات، وصيحات، وكلمات غير مفهومة،وأرى عيوناً مفجوعة، مصدومة..

ماذا حدث؟ وكيف حدث ؟ وأينهم ؟

سيل من الأسئلة دار في رأسي حتى كاد رأسي أن ينفجر، ومن كانت معهم الأجوبة كانوا قد اخذوا أولادي الثلاثة وذهبوا بهم الى المستشفى، وبينما أنا في هذه الدوامة العصيبة، يصرخ أحدهم تعالي يا خالة واركبي معي نلحق بهم، ركبت معه وقلبي يحدثني أنأولادي في محنة كبيرة و بلاء عظيم، ولكن أين هم ؟ وأينأنا ؟

هم في مكان وأنا في مكان تفصلني عنهم تضاريس الأرض، وماذا عساي أنأفعل سوى الانتظار والصبر على تلك النار التي كانت تتأجج وتزداد سعيراً في صدري مع كل ثانية تمر، ويمضي الوقت كسلحفاة مريضة،وأنا لا أملك من أمريإلا دموعاً تنهمر من عيني وأفكار تشق رأسي، وفزع مما يخبئ لي القدر!

ها أنا في السيارة جالسة، كانت دقات قلبي أسرع من محركها،وأنفاسحارة تخرج من صدري أحرّ من احتراق وقودها، عجلاتها تدور ومعها تدور رحى الذكريات، يا ترى كيف هم ؟

هل هم بخير أم ....؟ ماذا سترى عيني ؟ هل سيحتمل قلبي ما سأرى؟

وقفت السيارة ليقفز قلبي قبل جسدي، وبدأت أبحث في الممرات والأبواب والغرف عن أحبائي الثلاثة الذين يرقدون في مكان ما، ولكن أين ..أين ؟

سألتأحدهم فأجابني: هم هنا في هذه الغرفة، فشخص بصري نحو بابها، إنهم هنا ولا يفصلني عنهم سوى هذا الباب، كان لون الباب أبيض كسائر الأبواب، ولكنني في تلك اللحظة رأيته كأبواب القلاع الحصينة، وأنا صغيرة ضعيفة لا أقوى على فتحه !

 استجمعت ما تبقى في جسدي من قوة، وفتحت الباب..فتحت معه جميع أبواب الآلام والحسرات التي منذ تلك اللحظة لم ولن تنتهي، إنهم هناك مستلقون على أسرّة..مغمضين أعينهم، أجسادهم مخضبة بالدماء، ثيابهم ممزقة،مستسلمين للقدر.

  سألت ماذا حل بهم ؟

لأسمع الإجابة إنهم قد ماتوا .!

وتأتي هذه الكلمات كسهام مسمومة اخترقت قلبي قبل أذني، هؤلاء الفتيان الثلاثة الذين كانوا يملؤون الدنيا فرحاً وسعادةً وحركة، الآن هم يرقدون بلا حراك، بلا حول ولا قوة، لأقف عاجزة عن الحركة.. وعاجزة عن التعبير.

خرجت من تلك الغرفة مذهولة أحمل قدمي حملاً، ماذا سأفعل وإلى أين سأذهب ؟ إلى من ألتجئ ؟ إلى من؟

لقد رحلوا .. وفراقهم أدمى قلبي، رحلوا عن دنياي..تاركين لي صورهم تتراقص أمام عيني..كلما ضاقت بي السبل...أهرب منها إليها..وأرتقب غداً ليس يأتي!

مشاهد 4763 مرة
المزيد في هذا القسم : « بقايا بشر .. على رصيف الوصول

أضف تعليق لهذا المقال

تأكد من تعبئة الحقول الموسومة بـ (*) الأكواد البرمجية غير متاحة.