الجمعة, 15 كانون2/يناير 2016 07:26

بقايا بشر .. على رصيف الوصول

قيم هذا المقال
(1 تصويت)

                                                                                                                                                 

علي ياسين

توقف القطار عن الضجيج، بضعة أبواب لقطارٍ قديم تمخضت عن حكاياتٍ بشريةٍ مزدحمة،

التصقت أجسادهم لساعات يزاحمون أنفسهم نحو المحطة الأخيرة على أعتاب الغرب الأوربي ..

واحدة من هذه الحكايا تنفست زفير الآخرين المتعبين، نهضت تلملم أجزاءها المتوحدة مع الآخرين

وتستعيد انتظام الحياة في العروق.

عند البوابة الضيقة لدنيا جديدة ٍ واسعة،بدأت ترتعش عزيمته وتفقد تدريجيا ً صمودها الأسطوري في

وجه البحر والبر.هنا ربما سيداوي إنسانيته المكلومة .. ويعيد شيئا ً من الاعتبار للمهدور منها ..

كان عليه وهو يقف أمام شواهد تاريخ آخرهنا أن يرمم ذاكرة ما قبل الأمس ..

فأمسه القريب كان موجعا ً بما يكفي لمحو جزء ٍ كبير من ثقافته المتسربة عبر سياج ٍ شائكٍ أحاطه السجان

بالوطن القديم.نعم لقد أحس وطنه قديما ً.. بعد أن حولته كائنات الحراسة إلى مزرعة يسكنها عبيد ٌ من

أصول ٍ بشرية وبضع حيوانات ٍ متوحشة تنهش لحومهم ترقد قرب أقدام الجلاد.

هذا المشهد لم يكن صورةً تتردد في انطباعات الذاكرة، أو إحساسا ً يتخلّق على يد الحزن العميق فيه ..

هذا المشهد كان واقعا ً مصبوغا ً بلونين يختصران الوجع كله.

انتفض من غيبوبة الألم .. ومسح الدموع عن عينيه، علّه يبصر مساحات ملونة على أطراف المستقبل .

لم يكن يعرف حقا ً هل يتوجب عليه الصمود بعد، أم أن جثته سترقد على كتف راحة ٍعميقة.. يحتاجها بشدة.

بشريون من الطرف الآخر للعالم ..كانوا في الانتظار..

بشريون تآمروا عليه في كتاب المدرسة .. وكفروا بما قاله إمام المسجد قبيل الصلاة.. صفقوا مجددا ً

لوصوله بخير.هو لا يعلم حقا ً إن كان بخير.. لكنه وصل!

كان يريد أن يصرخ .. لكن الرصاص اغتال حنجرته في احتجاجات الأمس الجميل..

كان يريد أن يتكلم .. لكن صوته المبحوح عويلاً في رثاء الآخرين لم يعد صالحا ً سوى للبكاء...

ولأنه مولودٌ جديد في بلد ٍ بلا جدران .. رسم خطابه على رصيف:

أنا لست خارجا ً للتو من كهف .. فامسحوا عن وجوهكم الدهشة

أنا لست جائعا ً.. أرجوكم ألا تصطفوا على طرفي طريق ٍ يقودنا إلى مائدة

أنا لست متعبا ً .. فلقد خرجت لتوّي من معركةٍ انتصرت فيها الإرادة على الموت

أنا شريككم في هذه الحياة .. ووجهكم المظلم على الطرف الآخر

لا أعرف إذا كان من اللائق إطلاق هذا العبث من الكلام .. ولكن ...

على مائدتي كان فتات الرغيف اليابس المعجون بالقهر لا يحتاج شوكة، طبقا ً نظيفا، أو سكين

حتى يسد رمقي.وفي موقدي القديم كان هنالك غصنٌ أخضر لشجرة الزيتون يختنق لأجلي ..

لا أعرف إذا كان من اللائق أن أصافحكم وابتسم ..

أنا لم أعد أعرف الكثير من التقاليد الجديدة للبشرية.. فاعذروني ...

لا تسألوا التاريخ .. ماذا يكتب الآن َ ..

لم يبق سطرٌ فارغ ٌ .. يا ليت!

لا تدمعوا عينا ً لترمقني ..

مازال بعضي راقدا ً في بيت ...

لا تبسطوا يدكم لتسحبني ..

مازال في البحر مراكب للموت ...

لا تصمتوا حزنا ً لمقتلنا ..

بل أطلقوا .. في وجه قاتلنا .. بقايا الصوت ...

مشاهد 250497 مرة

أضف تعليق لهذا المقال

تأكد من تعبئة الحقول الموسومة بـ (*) الأكواد البرمجية غير متاحة.