الأحد, 10 كانون2/يناير 2016 00:47

سجن ٌ بحجم وطن جديد ..

قيم هذا المقال
(1 تصويت)

 

علي ياسين

في غرفة الانتظار على حدود المجمعات البشرية المتمدنة .. مللت عدّ الدقائق والأيام واكتشفت أن البعد الزمني بيني وبين المحقق يقاس بما هو أكثر ..  وأن تقويما ً كاملا ً – لا يجوز رسمه على حائط – قد يرافقني بانتظار القرار ...
كدت أنسى اسمي لأنني صرت ( نفر ) .. أو أنسى ماهيتي وتكويني لأن أحسست بوجودي كـ   (رقم ) .. ولكون هذا وذاك .. انتظر القرار، فلربما حمل إلي قرار الإقامة المنتظر تسمية ً ورقما ً جديدين ..
هناك في الغرفة الباردة تأججت فيَّ صراعات الفتنة النفسية نيرانا ً تلتهم بواقي شخصٍ، وتنثرها في زوبعة ٍترقص على إيقاعات المجهول .. وطنٌ جديدٌ باردٌ، يصيبني بحمى تتردد في هذيانها مخاوفٌ بحجم الحياة ..
أتحسّس جسدي المنهك بكلّ ما فيه .. دوار ٌ جديد سيصيب رأسي وإيقاعاتٌ مختلفة للقلب ..
شمسٌ تشرق من مكان ٍ مختلف ٍثم تختفي فجأة ً .. فلا أراها نامت على كتف جبل ولا ذابت بين طيات بحر ..
أحنُّ إلى شخصي القديم الجميل .. أحنّ إلى رائحة كل شيء ٍتزكم أنفاسي وتهديني باقة ً من الأمل ..
التفتُّ إلى طريق ٍمسدود.. وخيار ٍمفقود ..
أستمر في الانتظار على حدود الحضارة البشرية لمدنٍ رسمتها لوحاتٌ إعلانية ٌ مدفوعة، وأضاءت شاشات المستقبل المستعجل، وترسبت في وجداننا حلما ً ليليا ً بأوسكار الصباح البعيد ..
على أعتاب الحياة الروبوتية هذه .. أحس جيدا ً بعبوة المياه الغازية وقد فقدت نكهتها وهي تفكر بما بعد التدوير .. أحسٌّ جيدا ً بشجرة ٍتكسرت أضلاعها لتناسب مدينة الألوان واللافتات والإشارات ..
فهنا لا يسمح لك أن تمارس إنسانيتك العبثية .. ولا مكان مطلقا ً للخطوط المنحنية ..
نظرة ٌواحدة ٌ فقط إلى إحدى كاميرات التي تسجل شريط حياتك، ستجعلك تعرف كيف تحولتَ إلى كائن ٍ هندسي، بزوايا حادة وأضلاعٍ مستقيمة ٍ بالإكراه ...
فأنت حر ٌ في ارتداء ما شئت من القيود .. وكأنك في سجنٍ بحجم وطن ٍ جديد ...
ياه .. كل هذا الحنين وُلد وتعملق بسرعة .. وكأنه كان مختنقا ً في جسمكَ النحيل .. ها هو قد تمدد الآن وخرج من قبر ذكرياتك .. حنين ٌوندم ٌلم يكونا مرسومين على أوراق مخططاتك اللاهثةِ وراء الحياة ..
أوراق ٌ هي ذاتها التي تنتظرها مغلفة ً بعنوانك الجديد ..
الخروج من غرفتي في معسكر الانتظار .. لم يكن صعبا، ً بقدر ما كان محيرا ً ..
فالباب القريبُ الحارسُ لأحلام المستقبل،هو ذاته يسيِّج ماضيَّ بالأسلاك الشائكة المدمّاة بالتردد ..
ولم يكن الباب بالاتجاهين ..
تردّدي أمام قبضة الباب الثقيلة.. دفع بي إلى النافذة الباكية على كتف المطر .. وما بين باب ونافذة تسللت بي ضحكة ٌسوداء رسمتني كاريكاتيرا ً يسخر من نفسه ..
تمردي المؤقت على الانتظار المقيت تسرَّب نحو شتاء ٍغربي ًّفي الخارج .. حيث المطر ...
المطر البارد في الغربة .. والأشجار ..
تتهدد حزني بمزيد ...
أبنية ٌهيكلها واحد .. متشابهة ٌ ..
إلا .. من حيث الأرقام ..
حتى الإنسيون جميعا ً .. باتوا أرقاما ً ..
تمشي .. وخطوط ..
باتوا .. روبوتات ٍ ..
تضحك أو تبكي .. بحدود ..
وشوارعُ ليست منحنية .. وعبارات ٌ..
 وإشارات ٌ تتهدد جيباً مثقوباً ..
غاضبة ً.. لكن .. مبتسمة ..
تهديك عبارتها صمتا ً : ( لا تخطئ أو فادفع هيا ... !)

مشاهد 4661 مرة
المزيد في هذا القسم : بقايا بشر .. على رصيف الوصول »

أضف تعليق لهذا المقال

تأكد من تعبئة الحقول الموسومة بـ (*) الأكواد البرمجية غير متاحة.